ابن ميثم البحراني
108
شرح نهج البلاغة
على وفق أوامره الَّتي بها يكون نظام العالم إلى الأبد ، والأمن من تلك الفتن لو فعلوها . ولكنّهم نسوا ما ذكَّروا به من آيات اللَّه وأمنوا التحذير فضلَّت عنهم آراؤهم الصالحة الَّتي يكون بها نظام أمورهم فاستعقب ذلك تشتّت أمورهم وغلبة العدوّ على بلادهم ، وقيل : أراد بما طوى عنهم غيبه وعلمه هو ما يلقى المقصّرون من أهوال الآخرة . والأوّل أنسب لسياق الكلام . ثمّ عقّب ذلك بالتبرّم منهم وطلب فراقهم واللحاق بإخوانه من أولياء اللَّه مباركي الآراء ، ثقال الحلوم لا يستخفنّهم جهل الجهّال ، ملازمي الصدق ونصيحة الدين من شأنهم ترك البغي على أنفسهم وغيرهم ، مضوا على الطريقة الحميدة ، سالكين لمحجّة اللَّه غير ملتفتين عنها فوصلوا إلى الثواب الدائم والنعيم المقيم . وقرينة الظفر تخصّص العقبى بالثواب . والعرب تصف النعمة والكرامة بالبرد . ثمّ بيّن لهم بعض ما سيلحقهم من الفتن العظيمة ممّا طوى عنهم غيبه وهي فتنة الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن ملك بن كعب بن الأخلاف - قوم من ثقيف - وكان ضعيف العين ، دقيق الصوت ، ذيّالا : أي طويل الذيل يصحبه تبخترا ، ميّالا : أي يكثر التمايل كبرا ، وأخبر أنّه يأكل خضرتهم ، وكنّى بها عمّا هم عليه من الأبّهة وسلامة النفوس والأموال وحسن الأحوال وبأكله لها عن إزالة تلك وتغييرها إلى أضدادها ، ولفظ الأكل مستعار لذلك ، ووجه الاستعارة ظاهر ، وكذلك استعار الشحمة لثرائهم وقوّتهم ووصف الإذابة لإفناء ذلك بالقتل والإهانة ، ومصداق ذلك المشهور من فعله بأهل العراق كما سبق بيانه في ذكر الكوفة . ثمّ قال : إيه أبا وذحة . وكلمة إيه اسم من أسماء فعل الأمر يستدعى بها الحديث المعهود من الغير - إن سكنت - وإن نوّنت كانت لاستدعاء قول أو فعل ما ، وقيل : التسكين للوقف والتنوين للدرج فأمّا تلقيبه عليه السّلام له بأبى وذحة فروى في سبب ذلك أنّه كان يوما يصلَّى على سجّادة له فدبّت إليه خنفساء . فقال : نحوّها عنّى فإنّها وذحة من وذح الشيطان . وروى أنّه قال : قاتل اللَّه قوما يزعمون أنّ هذه من خلق اللَّه . فقيل له : ممّا هي فقال : من وذح إبليس ، وكأنّه شبّهها بالوذحة المتعلَّقة بذنب الشاة في حجمها أو شكلها